ابن بسام

97

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

أفواهها نحو البحيرتين الماء هونا كرشيش القطر أو سحالة اللّجين . وقد وضع في قعر كلّ بحيرة منهما حوض رخام يسمّى المذبح ، محفور من رفيع المرمر ، كبير الجرم ، غريب الشكل ، بديع النّقش ؛ قد أبرزت في جنباته صور حيوان وأطيار وأشجار ، وينحصر ماؤهما [ 1 ] في شجرتي فضّة عاليتي الأصلين ، غريبتي الشكل ، محكمتي الصّنعة ، قد غرزت كل شجرة منها وسط كلّ مذبح بأدقّ صناعة ، يترقى فيهما الماء من المذبحين فينصبّ من أعالي أفنانهما انصباب رذاذ المطر أو رشاش التندية ، فتحدث لمخرجه نغمات تصبي النّفوس ، ويرتفع بذروتها عمود ماء ضخم منضغط الاندفاع ، ينساب من أفواهها ويبلّل أشخاص أطيارها [ 2 ] وثمارها ، بألسنة كالمبارد الصّقيلة ، يقيّد حسنها الألحاظ الثاقبة ، ويدع الأذهان الحادّة كليلة . قال ابن حيّان : إلى هذا المكان انتهى تلخيصي ووصفي ، وهو جلل عند قرانه بموصوفاته ، ووشل عند إضافته إلى مغموضاته [ 3 ] . وأبرأ من عهدة التّقصير فيه ، وأنهجه لمن تعاطى الاقتدار على الإبداع في وصفه . قال : وتوالى إطعام أفواج الناس في ذلك الإعذار ، مجلسا بعد آخر ، / أياما متوالية ، حتى استدعي له من بقايا أصناف الناس وأدونهم حتى الجفلى ، وأزعجوا إلى النعيم الذي لا عهد لهم به ، دخلوا على التّطليق ، وحفظوا من ضنك المضيق ، وأوسعت مآكلهم من غليظ ورقيق ، فالتهموا وازدرموا [ 4 ] ، ونهلوا وعلّوا ، ووضّئوا وطيّبوا . ( مجلس الأنس : ) قال ابن حيان : وذهب المأمون إلى تتميم تكريم زوّاره من رجال الأمراء الذين استحضرهم يومئذ لشهود فرحته ، بمشاهدة مجلس خلوته ، وتنعيم أسماعهم بلذّات أغانيه ، وقد علم أنّ فيهم من يرخّص في النّبيذ ولا يسوغ له نعيم دونه ، فاحتمل حرج ذلك مبالغة في تأنيسهم ، فاحتفل لهم في مجلس قد نضّد ، وأحضر فيه جميع آلات الأنس . فلمّا استوى بالقوم مجلسهم ، واشرأبّوا إلى الأخذ في شأنهم ، قرّب إليهم أطعمة

--> [ 1 ] يعني ماء حوضي المذبحين ، وفي ص : منها . [ 2 ] ص : أشخاصها طيارها . [ 3 ] كذا في ص ؛ ولعل مغموضاته هنا تعني أسراره فيكون كلامه وشلا بالنسبة إلى أسرار ذلك الصرح العظيم . [ 4 ] ازدرموا : ابتلعوا ، وفي اللسان الازدرام : الابتلاع ( إلا أنه جاء في مادة : زردم ) ؛ .